حسن بن موسى القادري

73

شرح حكم الشيخ الأكبر

وضربه أي : أعطاه ، والاسم ( المنحة ) بالكسر فهي بمعنى : العطية اسم لما يعطى ، و ( المحنة ) : اسم للتعب والمشقات ، وفي الأصل محنه كمنعه أي : ضربه ، والمنح بلا تاء اللين من كلّ شيء أي : كل عطية ونعمة ( وافقت هواك فهي ) أي : تلك المنحة الموافقة لهواك محنة أي : تعب عليك ، ونقمة لك في الحقيقة لا نعمة ورحمة ، والمراد بالمنحة الموافقات للهوى التي تكون محنة الملائمة للطبع الموافقة للنفس المبعدة للقلب عن اللّه سبحانه وتعالى ، وأمّا نفس المنحة للهوى ليست موجبة للمحنة ؛ لأن الرزق اللذيذ الملائم للطبع الموافق للهوى إذا كان حلالا بحسب الشّرع ليس بمحنة لخلوصه عن تبعة العذاب يوم القيمة ، فالمنحة الموافقة للهوى التي هي المنحة هي : الرحمة الممتزجة مع النقمة فظاهرها رحمة وباطنها نقمة ، وقد تكون رحمة خالصة ، أو ممتزجة لكن ظاهرها نقمة وباطنها رحمة كشرب الدواء الكريه الذي لا يلائم الطبع في الحال ، لكنه تعقبه الراحة وزوال ما لا يلائم بحسب المال ، وهاتين المنحتين ما فيهما ضرر لكن في كل ضرر من حيث عدم شهود المنعم معه ؛ لأن كل التذاذ يصحبه فرح وسرور بالملتذ به مما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين لا كمال ولا صحة له إلا بالهناء ، ولا هناء إلا بشهود منة المنعم ، ولا شهود لها إلا بشهود المان بالفضل والإحسان سواء كان في هذه الدّار أو في تلك الدار ، أمّا الشهود في هذه الدار فبالبصيرة فقط ، وأمّا في تلك الدار فبالبصر والبصيرة . فلو لا تجلي المنعم بالإحسان ما صحّ نعيم المنعم عليه أصلا ، وإذا تجلى بالجمال ولو لأهل النار لغيبهم عن النقمة ، ولو حجب جماله ولو عن أهل الجنة فأطاب لهم النعيم ؛ لأن النقمة والعذاب بوجود الحجاب ، والنعيم بظهور التجلي ، فكل من فرح بالنعمة بمجرد وجود المتعة فيها بدون ملاحظة منعمها وموجدها فهو من الذين غفلوا بالنعمة عن المنعم ، ونسوها بها فإنما هممهم مقصورة على ملذهم من الأكل والشرب وغيرهما . وهو الذي صدق عليه قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [ الأنعام : 44 ] . وقال اللّه تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي : كلما جددوا معصية جددناهم نعمة ، وأنسيناهم الاستغفار من تلك المعصية حتى ركنوا إلى النعمة ، وغفلوا من المنعم أخذوا قاله : سهل بن عبد اللّه رحمه اللّه .